| |||||||||||||||||||||
محمد بن عيسى الجابر: نعم.. العرب أيضا قادرون
كتب (العرب اليوم) بتاريخ 9 - 10 - 2009 "نعم.. العرب أيضا قادرون" عنوان الكتاب الجديد الذي صدر في القاهرة عن الدار المصرية اللبنانية للكاتب محمد بن عيسى الجابر المبعوث الخاص لمدير عام اليونسكو للتسامح والديمقراطية والسلام. والكتاب الذي صدر في مائتين وخمسين صفحة من القطع المتوسط، يشتمل على ستة فصول إضافة إلى خمسة ملاحق مع مقتطفات من مقابلة أُجرِيَتْ مع المؤلف مطلع يناير2009. والكتاب الذي قدَّم له الفنان التشكيلي فاروق حسني وزير الثقافة المصري يناقش في فصوله الستة قضايا، مثل: العرب بين الأمس واليوم، والعولمة فرصة لنهضة عربية حقيقية، والواجبات الأدبية، والحكم الرشيد والإصلاح الإداري، والتنمية المستدامة، والاقتصاد الحر: أزمة عابرة أم تحول حضاري. ويختم الكاتب محمد بن عيسى الجابر كتابه بملاحق حول: القرارات الصادرة عن القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية التي انعقدت في الكويت في التاسع عشر والعشرين من يناير 2009، أما الملحق الثاني فهو قرارات قمة G 20 المنعقدة في لندن في الثاني من نيسان/أبريل 2009. والملحق الثالث حول أزمة الإنترنت والرهن العقاري، وأما الملحق الرابع فعن فيدرالية الصحفيين المهنيين في كيبك "كند: مرشد الواجبات الأدبية "مقتطفات" والملحق الأخير: محمد بن عيسى الجابر: أتعلم من تجارب الآخرين: مقتطفات من المقابلة التي نشرت في مجلة "الاقتصاد والأعمال" اللبنانية العدد 349 يناير2009. ويرى الناشر محمد رشاد الذي أصدر الكتاب أنه كُتِبَ الكثير عن دور وحضور واستطاعة العرب الوقوف أمام العواصف التي تجتاح الكوكب الإنساني في مطلع هذه الألفية المدججة بالعلوم والتكنولوجيا وأحدث الأسلحة الفتاكة في الوقت نفسه، لكن ما كتب من قبل يدخل في حقول المعرفة المتنوعة والمألوفة في الحياة الثقافية والفكرية. فإما أن يكون نقدا أو تحليلا فلسفيّا أو نظرية اجتماعية أو حتى استغراقا في علم النفس الاجتماعي، وما سوى ذلك من فروع المعرفة. إلا أننا اليوم مع كتاب محمد ابن عيسى الجابر ندخل في صلب الحالة العربية، لكن عبر طريق جديد لن يخبرها أو على الأقل لم يطل علينا عبرها الكثيرون، الآن المؤلف يقدم لنا خلاصة عملية ودقيقة لتجربة عربية معاصرة عابرة للقارات. تستند إلى نجاحها من جهة وإلى تنوعها وحداثتها من جهة أخرى؛ ولهذا فإن هذا الكتاب لا يمكن التعامل معه على أنه مساهمة تنظيرية أو فلسفية، إنما هو محطة لبناء فريد من نوعه استطاع صاحبه أن يحتل أعلى المراكز العالمية، ويفرض وجوده وصوته عليها، وهو يقدم لنا اليوم بشكل أو بآخر الوصفة العملية لهذا النجاح لتطبَّق على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية ومن ثَمَّ على المجتمع. وفي تقديمه للكتاب الذي حمل عنوان "براءة حضور بين الأمم" يكتب الفنان فاروق حسني وزير الثقافة المصري: الذين يتطلعون إلى الغد يستمدون من ماضيهم وتجاربهم مرتقين لهذا التطلع.. الذين يقرأون واقعهم جيدا يستخلصون صعوباته، ويدركون المساحات المتاحة لمشاركاتهم في صناعة هذا الواقـع، بعـد إدراكهـم لمـقدراتهـم ونصيبهـم الحضـاري، وكيفية استعماله للوصول إلى التحقق والحضور المتماثل مع حضور الآخر من شركاء الواقع، الذي هو شريك في المستقبل أيضا. "نعم.. العرب أيضا قادرون" أنه الإيجاب الذي يميز المنفتح، والإجابة التي تسبق آلام الصياغة للسؤال عن قدراتنا كأمة في الإسهام اللائق في صياغة اللحظة الراهنة أو المقبلة في المصير الإنساني.. هذا الإيجاب الذي يصنع الانحياز لفكرته، ويجذب القارئ من قلق الحياد السالب إلى رحابة الإيجابية في النظرية والفعل اللذين يدعوان - الكاتب والكتاب - إلى تبنّيهما كأسس داعمة؛ للمشاركة الحضارية الواجبة على العرب في هذا العصر. وما بين فصول هذا الكتاب، الذي يفيض بعصير خالص لتجربة كاتبه الثرية في عوالم الاقتصاد والسياسة والثقافة العالمية.. يتنقل بعمق النظرة بين أمس العرب ويومهم، ورشد الحكم والإصلاح وآليات التنمية المستدامة، ومدارس أنظمة الاقتصاد الحر وتأثيراتها.. تَنَقُّلَ مُبصرٍ وواعٍ، تَحترمُ سُطورُه وعيَ القارئ وخبراتِه؛ لِنَجِدَهُ يهتف بخلاصة دعوات المصلحين والرواد وهي ضرورة الإسهام والإنتاج، ومغادرة شطآن الاستهلاك إلى خضمّ المشاركة الفاعلة والمنتجة ؛ ذلك أنها السبيل الأول، بل والوحيد إلى الغاية الكبرى؛ إلى التحقق الذي يحفظ لنا كأمة دورنا وحقوقنا، وهو – أي التحقق – براءة الحضور بين الأمم في ساحة الوجود والبقاء. هذا الكتاب ملمحه الجدية والعمق، وهما صفتان في شخصية مؤلفه محمد بن عيسى الجابر، المبعوث الخاص لمدير عام منظمة اليونسكو للتسامح والديمقراطية والسلام، الذي يرعى مشروعات التنمية الثقافية والتربوية في العالم العربي، وهو الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة في المحافل الدولية الخاصة بالحكم الرشيد. ومن هنا، فإن النتائج التي خَلُص إليها وقدمها بسلاسة ووضوح وإيمان إلى قارئه قائمة على تجربته الاقتصادية الواسعة من ناحية، وعلى مستوى علاقاته ودوره في العالم كَمُحاور ومبادر حاضر وفاعل في المحافل الدولية من ناحية أخرى.. وفي كلمة على الغلاف آثر المؤلف الذي وُلد في جدة عام 1959 أن يلخِّصَ كتابه في بضعة أسطر فقال: نعم، العرب قادرون على مضاعفة الجهود على المستويين العام والخاص: بغية تحقيق التكامل الاقتصادي والاجتماعي العربيين، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية كذلك، وجعلها أكثر قدرةً على الاندماج في الاقتصاد العالمي، والتعامل مع التجمعات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية، وبالتالي مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية على الدول والشعوب العربية. نعم، هناك وعي عربي رسمي وشعبي قادر على خلق دينامية جديدة، تعيد للأمة دورها الفاعل ومساهمتها الإيجابية، للمشاركة في بناء صرح الحضارة الإنسانية المعاصرة، وضمان مستقبل أفضل للأجيال العربية الصاعدة والقادمة. وصاحب الكتاب "نعم.. العرب أيضا قادرون" محمد بن عيسى الجابر هو شريك اليونسكو في عديد من مشروعاتها الثقافية والتربوية الكبرى في الوطن العربي، والناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة لمنتديات الحكم الرشيد. يذكر محمد بن عيسى الجابر الحاصل على درجة الزمالة من جامعة أكسفورد البريطانية أنه على مدى ستة قرون، كانت الحضارة العربية حضارة عالمية، منفتحة على الشعوب كافة، أخذت إبداعات من حضارات قديمة وكيّفتها في البوتقة الإسلامية، وفي صلب حضارة أمة متعددة وموحّدة في آن، وكانت اللغة العربية هي الحاملة للإبداعات في الفقه والحديث وتفسير القرآن، والنحو والبلاغة والشعر، والفلسفة والتصوف والفلك وعلوم الرياضيات والكيمياء والعلـوم الطبيعية والتجريبية. وهكذا أبدع العرب والمسلمون ثقافة عظيمة في مسار الإنسانية، وكان الإسلام كدين وحضارة وثقافة يهضم بسهولة الغزاة والبرابرة، عبر تذويبهم في الدين والحضارة. ولم يشهد المسلمون حكم غيرهم عليهم إلا في فترات قصيرة، في زمن المغول وزمن الحروب الصليبية.. فأما المغول فقد أسلموا، بينما تم دحر الصليبيين. واعتمدت الحضارة الإسلامية في أَوُجِّها بين القرن الثامن الميلادي والقرن الحادي عشر على مساهمة وإبداعات العرب بالدرجة الأولى ثم الفرس، ثم جاءت لاحقا مساهمة الأتراك ذات الطابع العسكري المميز لها، بينما امتاز العرب بالنبوغ الثقافي والسياسي والعلمي. وبين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر كان للمسلمين ثلاث ممالك، هي: الدولة العثمانية والدولة الفارسية والمملكة المغولية في الهند. ولم تهتم كل من الإمبراطورية العثمانية والمملكة المغولية بالعلم والثقافة كثيرا، بل أولتا الاهتمام بالعلوم العسكريّة والهندسية، على العكس من الدولة الفارسية؛ حيث تطورت نهضة فكرية، قام بها علماء ومفكرون كبار. ويذكر الكاتب محمد بن عيسى الجابر الحائز على لقب شخصية العام 2008 لحوار الثقافات والأديان والمحاضر في العلاقات الدولية والإدارة والتنمية المستدامة في جامعة هوبكنز – واشنطن - وعدد من الجامعات في لندن وفرنسا أنه بدأت النهضة بصفتها حركة لغوية أدبية، ناتجة عن الاحتكاك بأوروبا. ومن أبرز رجالاتها: بطرس البستاني "توفي 1883"، وناصيف إبراهيم اليازجي، وإبراهيم الدسوقي، ومحمود سامي البارودي، وأديب إسحق، وإبراهيم المويلحي، وما تميزوا به هو المعاجم والشعر والأدب، ولم يكونوا مصلحين اجتماعيين أو دينيين، بل كانوا مصلحين للّغة والأسلوب وإعادة استكشاف الماضي للتعبير عن الحاضر، فانتزعوا اللغة العربية من علماء الدين، ووظفوها في عالم العلمانية والحداثة. أما من نَهل من فكر التنوير الفلسفي المتزامن مع الاكتشافات العلمية وانبثاق الدولة الوطنية والإصلاح الديني، فأشهرهم الطهطاوي "1801-1873"، والكواكبي "المتوفى 1902"، وخير الدين التونسي، وأنطوان فرح، وقاسم أمين. وقد ازدهرت النهضة في مصر بفضل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، في عهد الخديوي إسماعيل "1863-1871"؛ فصارت مصر هي مقر النهضة، فاحتضنت انبعاث العروبة الثقافية، مثلما استقبلت تيار الإصلاح الديني. وكان هاجس هؤلاء العلماء والمفكرين هو النهضة والإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي بمنظار تحديثي علماني عقلاني. ولا شك أن مصطفى كمال في تركيا، وبورقيبة في تونس، وناصر في مصر، قد تأثروا بهذا التيار الإصلاحي النهضوي، الذي أنبت مثقفين متنورين من أمثال محمد حسين هيكل، وعلي عبد الرازق، ولطفي السيد، وسلامة موسى، وطه حسين.. ثم جاءت الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي لتطرد الإسلام من ساحة النقاش.. وأخذ البعض يمجد الثورة الماركسية والقومية، ومجَّد البعض الآخر أيديولوجية التغيير الأمريكية، إلى أن استعادت الثورة الإيرانية المفهوم التقليدي للثورة، الذي أنهى المعادلة المساوية بين الثورة والتقدم والتحرر من الدين، وأصبح مفهوم الثورة الخمينية هو العودة الصريحة إلى الإسلام التقليدي. ويشير الكاتب محمد بن عيسى الجابر الحاصل على وسام الشرف من مدينة فيينا والحائز على ميدالية الإليكسو الذهبية لدعمه الإصلاح التربوي في الوطن العربي، إلى أن الوضع الراهن يمتاز بوجود تيارين فكريين متصارعين: الأول: يدعو إلى الحداثة، والتفكير بمسائل؛ مثل: الأصالة والحداثة، العروبة والإسلام، الديمقراطية والحرية، والنهضة والحضارة والتغريب، ورغـم أن هذا التيـار يسعى إلى إحلال متصاعد للعقل الناقد، فإنه لا يزال قليل الإبداع. الثاني: هو التيار الإسلامي الذي يسعى تحت شعار إعادة "أسلمة" المجتمع، إلى تحويل الدين لمجرد هوية ثقافية، تدعو إلى تطبيق أحكام العقاب في الشريعة؛ وبهذا التوجه يُختزل القرآن الكريم عمليّا في الحدود والعقاب، دون التركيز على الإيمان والأخلاق والعقيدة البحتة. بل اتجه هذا التيار إلى مجال العمل السياسي، عبر تأكيد الدين كهوية ثقافية وسياسية، فمجّد الجهادية، كما بناها الفقهاء، في أحكام كانت متماشية مع العهود القديمة، ولكنها تتعارض مع قيم الحداثة من حرية وحقوق إنسان، وحقوق المرأة، وأصبح هدف هذا التيار هو الإطاحة بالنظم التحديثية من جهة، وإعادة "أسلمة" المجتمع من جهة أخرى. ولكن هذا التيار الرافض مباشرة للآخر، يواجه تيارا إسلاميّا معتدلا، يحرك أعماق الإسلام، ويدعو إلى الإصلاح الذاتي، والانفتاح على الآخر والحوار معه في إطار حوار الأديان والحضارات، وهذا التيار الوسطي والمعتدل يهدف إلى التعايش بين الأديان والشعوب بسلام وتعاون وحسن جوار. لاشك أن تعاقب المغول والتتار والعثمانيين على حكم العالم الإسلامي، قد أحدث انهيارا في الحضارة والثقافة العربية الإسلامية التي شهدتها دمشق وبغداد والقاهرة وبلاد المغرب العربي. وتلا هذا الانهيار سبات عميق، أعاد إلى المجتمعات العربية الإسلامية القيم القبلية والصراعات بين القبائل والأقطار، فانطوى كل بلد على ذاته، وأهمل متابعة ما يجري في الغرب من تحولات، بدءا من القرن السادس عشر. صحيح أن الإمبراطورية العثمانية قد خضعت لتعاليم القرآن، وتبنّت الأعياد الإسلامية، وأصبح السلطان ابتداءً من القرن السادس عشر، خليفة للمسلمين، إلا أن هذه الخلافة من غير العرب أدت إلى انفصام صلة الخلافة بالماضي العربي؛ حيث يتضافر الانتماء الإسلامي والانتماء العربي؛ فالعثمانيون المشهورون بحماستهم الحربية قد أعادوا الحياة إلى جبهة الجهاد، ولم تكن مرجعيتهم عربية، وقد غلبت على إيمانهم الشعائر الاجتماعية ذات الطابع السطحي. أما علمـاؤهم، فقد اشتهروا في مجـالات الفنون المعمارية والهندسية والطبية، ولم يولوا اهتماما خاصّا للتراث العربي الإسلامي واللغة العربية، كما كان حال البخاري والترمذي والنسائي والطبري، وجلّهم من أصل إيراني، وكانت لغتهم عربية وتخصصوا في الحديث وتفسير القرآن وكتابة التاريخ الإسلامي، واعينَ التقـاليد العربية، والأنساب. وهؤلاء أحبّوا الثقافة العربية الإسلامية التي كانت ثقافتهم الحق وطوَّروها. ولذا فلا مقارنة بين الشعور الإسلامي لمثل هؤلاء، وشعور عالم تركي من القرن السادس عشر أو السابع عشر؛ حيث انفصمت النخبة التركية عن عراها مع العروبة، فهناك عالم ذهني ثقافي بأكمله قد جهله العلماء العثمانيون، حتى ولو برعوا في اللغة العربية. وهكذا ساد الركود الفكري الديني والفلسفي بداية من القرن السابع عشر؛ حيث أغلقت الخلافة العثمانية باب الاجتهاد. وبرغم أن جامعة الأزهر وجامع الزيتونة والقرويين قد حافظوا على الميراث القديم، إلا أن الركود الفكري ساده، وكذلك الجمود الفقهي. وقد أدى إغلاق باب الاجتهاد إلى الموت البطيء لتسع عشرة مدرسة فقهية، ساهمت في تكييف الإسلام مع التطور الحضاري العربي الإسلامي، وفي بناء عصور الازدهار الحضاري. وقد أدّى تفكك الإمبراطورية العثمانية إلى اجتهادات فقهية وفتاوى، لا ترتقي إطلاقا إلى المستوى العلمي والديني والفلسفي للمدارس الفقهية الإسلامية السابقة. لكن الاستعمار كان الحافز ليقظة العرب، وقد أثبتوا في القرن العشرين قدرتهم على المواجهة والمجابهة، وتمكنوا من التحرر من الاستعمـار، باستثناء فلسطين التي بدأت قضيتها كمشكلة دولية، ولا تزال الظروف غير مواتية لحل دولي لها، برغم تضحيات شعبها الكبيرة وإصراره على التحرر والاستقلال، وصراعه المستمر من أجل البقاء. ويشير الكاتب محمد بن عيسى الجابر عضو مجلس الأمناء لجامعة أكسفورد ونائب رئيس مجلس الأمناء لجامعة مودول في فيينا إلى أن الوطن العربي بدأ يُقلّص تدريجيّا الهوة السحيقة مع الغرب، ولكن رغم إنجازاته الكبيرة في نشر التعليم والتقدم الصحي والبناء والتصنيع وتحديث الفلاحة والزراعة، ومواكبة التطور في مجال الاتصال والإعلام، فإنه مازال بعيدا عن المستوى الاقتصادي والعلمي والثقافي والتقني والعسكري للعالم الغربي، فلا يزال أمام العرب تحدي الإبداع التكنولوجي والإلكتروني والتقدم في العلم ونمو الاقتصاد المنتج والمجدد. وصحيح أيضا أن للعرب لغة ودينا وثقافة موروثة، ولكنها حاليا لا تساهم في بناء الثقافة الحديثة؛ فالثقافة المبدعة اليوم لم تعد إسلامية كما كان عليه الحال في القرون الوسطى، عندما كانت علوم القرآن والحديث والفقه وأصول الفقه والكلام والفلسفة والتصوف، وكذلك علوم التاريخ والعلوم الطبيعية والفلك والعلوم التجريبية، تقود العالم ثقافيّا إلى حدود القرن الخامس عشر الميلادي؛ فقد ماتت تلك الثقافة الدينية والدنيوية مع نهاية القرن الخامس عشر. أما النتاج الإبداعي العربي اليوم - إذا ما نظرنا إليه كمحصِّلة عامِّة تشمل كل الدول العربية وليس كأفرادٍ أبدعوا هنا وهناك وخصوصا خارج العالم العربي – في مختلف الأشكال الحديثة للإبداع كالسينما والرواية والمسرح والفنون التشكيلية، ناهيك عن الفلسفة والتاريخ والعلم والتكنولوجيا والمعلوماتية والموسيقى والفضاء الخارجي..فإننا نجد هذا النتاج لا يرقى إلى مستوى المساهمة والمشاركة الفعلية في بناء الثقافة الإنسانية المعاصرة. ولا تزال الثقافات العربية إذن في عمومها مطبوعة بتقليد حضاري، منغرس في التاريخ وفي الحنين إلى الماضي، وفرز هويات ولغة وانتماء ديني، والتفاخر والاستهلاك والتقليد، دونما تفاعل بين الحضارة العربية الإسلامية والثقافات المعاصرة. فالمرجو اليوم - كما يشير محمد بن عيسى الجابر - هو متابعة التقدم الحاصل في الغرب، في المجال الفكري والعلمي والفني والأدبي ودراسته وهضمه، ثم وضع إستراتيجية عربية ثقافية وحضارية في المجال العلمي والفكري والفني، كما هو الحال في الصين والهند والبرازيل. وما يشجع على السير في هذا الطريق هو الوعي العربي الجديد، والارتباطات القوية بين الأقطار والشعوب، والانفتاح الكبير الحاصل على التيارات الخارجية، والتوجه نحو المشاركة في إنشاء تجمعات إقليمية، يحددها الجوار والجغرافيا والمصالح الاقتصادية المشتركة. وهذا التوجه سيساهم في تخطي التجزئة من جهة، وسيعزز البنى التحتية من جهة أخرى، وسيولي الاقتصاد أولوية على السياسة. فدور الدولة اليوم هو أن تصبح الحافز على التقدم المادي والمعنوي، وإفساح المجال أمام المجتمع المدني أن يلعب الدور المنوط به. فالدولة في العالم العربي لم تعد كما كانت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. لقـد كانت في زمن الثورات والاستقلال مفرطة في أهدافها وطموحاتها. وكان يعتري قادتها الشعور بتملك الحقيقة المطلقة، ولم تتسامح مع من يخالفها الرأي. وشعور تملك الحقيقة جعل كل الثورات تلجأ إلى القمع ومناهضة الديمقراطية، وطوّر لديها العقدة بالشعور بالاضطهاد تجاه الداخل والخارج، خصوصا وأنها تأسست على مثال النظام الشيوعي، واختلقت قضايا كبرى التفت حولها الجماهير بعواطفها. وهكذا، وبعد الاستقلال، صار الحديث السائد هو خطاب الثورة وليس حديث الإصلاح، فأصبح توكيد الذات الثورية وسكرة التجديد ورغبة التغير لا يدع مجالا للتخطيط العلمي والواقعي، أو إلى وضع استراتيجيات طويلة الأمد من أجل التنمية والتحديث. ونتيجة لتلك السياسات غير الواقعية والمفرطة بأهدافها، فقد أصبحت الدولة اليوم في معظم البلاد العربية؛ خصوصا الثورية سابقا، عاجزة عن القيام بمسؤولياتها؛ وبهذا أضحت تتخلى عن تلك الأهداف المفرطة تدريجيّا، ونتج عن ذلك قطيعة تدريجية بين الدولة والشعب، وبدأ الشعب يعيش على هامش الدولة. وقد استغلت الحركات الإسلامية ذلك وأصبحت تتموضع بين الدولة والشعب، مستغلة القلق العام تجاه المستقبل، ومحاولات الدول الكبرى الهيمنة على الدول الضعيفة، باسم الاقتصاد تارة، وباسم أيديولوجية حقوق الإنسان تارة أخرى. وبعض الدول تنظر إلى الديمقراطية كأداة ميكانيكية، فأخذت بمظاهرها الخارجية كالتعددية الحزبية والبرلمانية والانتخابات وحكم الغالبية، ولم تأخذ المضمون الأساسي، ألا وهو الإنسان كقيمة عليا، ومن ثَمَّ الكرامة الإنسانية والضمير الإنساني والحرية الإنسانية كقيم أساسية لكل ديمقراطية. والديمقراطية كما يراها محمد بن عيسى الجابر تُبنى على توازنات دقيقة بين الفئات الاجتماعية ومصالحها، فهي بهذا تستبعد العاطفة، ولا تلجأ لوسائل القمع كما كان الحال بالأنظمة الشيوعية، وفي الدكتاتوريات العالمثالثية، وبعض الأنظمة المتمسكة بالأساليب السلطوية عبر طرح إشكاليات الهوية أو التراث أو القومية أو الحداثة أو الإسلام السياسي، وهي في الحقيقة عاجزة عن طرح المشكلات الحقيقية؛ مما جعلها هشة وعرضة أمام التدخلات الخارجية كما حصل في أكثر من دولة عربية، فالمشكلات الحقيقية التي تواجه المسار التنموي في المنطقة العربية هي في الأساس مشكلات اجتماعية واقتصادية وثقافية؛ فالفقر وتدهور أحوال السكن، بالإضافة إلى عدم كفاية الخدمات الاجتماعية والصحية ونظم الحماية الاجتماعية، تشكـل عقبـات خطيرة أمـام التنمية في العـالـم العـربي بشكل عام.
Google Adsense Privacy Policy | سياسة الخصوصية لـ جوجل ادسنس |
|
||||||||||||||||||||